في سوريا.. “التباهي بالتعذيب” يتحول إلى نهج أمني لترهيب المواطنين
مركز السويداء للتوثيق والإعلام

تكشف الممارسات الأمنية المتصاعدة في سوريا عن تحول بنيوي خطير في التعامل مع المعارضين والمدنيين، حيث لم تعد حملات الاعتقال تقف عند حدود التوقيف الاحتجازي، بل أضحت تترافق مع حملات ممنهجة ومحسوبة من المنشورات والتسريبات التي تتضمن الشماتة والتباهي بالتعذيب على الملأ. يعكس هذا السلوك عقيدة أمنية قائمة على الفكر السلفي التكفيري الذي يتخذ من البطش والترهيب النفسي وسيلة أساسية لإخضاع المجتمع وفرض السيطرة المطلقة، عبر استعراض العنف وتحويل آلام المعتقلين إلى مادة للتشفي والترويج الإعلامي.
وفي هذا السياق، رصد مركز السويداء للتوثيق والإعلام خلال اليومين الماضيين نمطاً متكرراً لهذه الانتهاكات في قضيتين متتاليتين. فقد تم توثيق اعتقال الشاب المدني سامي كحل، من أبناء بلدة الكفر بمحافظة السويداء والمقيم في منطقة جرمانا بريف دمشق، على خلفية ظهوره في مقطع مصور داخل سيارته يستمع إلى تسجيل غنائي مرتبطة بالعهد السابق.
بالتزامن مع الاعتقال، نشر الإعلامي الموالي للسلطة مالك أبو عبيدة صورة لعناصر ملثمين من الأمن العام معلقاً بأنه “صار بأيدي أمينة”، يعقبها تداول رسائل أمنية مسربة تضمنت تفاصيل عن مكان احتجازه وعبارات صريحة تؤكد تعرضه لتعذيب شديد وتتوعده بالمزيد، إلى جانب توجيه شتائم نابية له ولأسرته، وهو ما يحتفظ المركز بنسخ موثوقة منه.
تأتي هذه الواقعة بعد ساعات قليلة من اعتقال الناشط المعارض حسين الأحمد، المعروف باسم “حيحو”، حيث أقدم أبو عبيدة نفسه على نشر منشور ساخر ألمح فيه جهاراً إلى تعرض المعتقل لضرب مفرط على الوجه والرأس، داعياً المتابعين للانتظار حتى “تتجلس ملامحه”. ويحلل المركز هذه التصريحات والمنشورات باعتبارها تعبيراً صريحاً عن احتفاء الأجهزة الأمنية بممارسة العنف، وإعادة إنتاج للتعذيب كأداة إعلامية مقصودة للترهيب الجمعي، وإرسال رسائل تهديد مباشرة لكل من يعبر عن رأيه أو ينتقد النهج القائم.
إن استخدام مشاهير الإعلام الأمني والصفحات الموالية كوسيلة لتمرير رسائل التهديد يعكس توظيفاً استراتيجياً لانتهاكات حقوق الإنسان خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي. فقد سبق لمركز السويداء للتوثيق والإعلام أن وثق سلوكيات مماثلة، من بينها قيام عناصر الأمن العام بنشر صور شخصية للمعتقل شادي طحطح، أحد أبناء السويداء، أثناء وجوده قيد الاحتجاز بغرض التشهير به والضغط على عائلته. كما تتكامل هذه الممارسات مع سجالات سابقة متصلة بأسماء انخرطت في الترويج للانتهاكات، حيث ورد اسم مالك أبو عبيدة في شهادات سابقة وثقها المركز لناجيات من مجازر السويداء، تحدثن فيها عن تعرضهن للابتزاز ومحاولات الاستيلاء على الممتلكات أثناء محاولات إسعاف الجرحى.
يؤكد مركز السويداء للتوثيق والإعلام أنه يحتفظ بكافة الأدلة والرسائل والمنشورات التي استند إليها هذا التقرير التحليلي، متعهداً بمواصلة رصد وتوثيق أي محتوى ينطوي على تمجيد التعذيب أو التحريض عليه، لتقديمها كوثائق حقوقية تُدين المتورطين في هذه الجرائم وتضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.



